فشل الوحدة بين Frente Amplio وPodemos قبل انتخابات إسبانيا 2026.. لماذا عجز اليسار عن توحيد صفوفه؟

أخفق حزبا Frente Amplio وPodemos في التوصل إلى اتفاق شامل لخوض الانتخابات العامة الإسبانية المقررة يوم 29 نوفمبر 2026 ضمن قائمة انتخابية موحدة. وجاء هذا الفشل بعد أيام من المفاوضات المكثفة ومحاولات اللحظات الأخيرة لتجاوز الخلافات، لينتهي الأمر باتفاقات مشتركة في مناطق محدودة، مقابل ترشح الطرفين بشكل منفصل في معظم أنحاء إسبانيا.
ويأتي هذا التطور في مرحلة حساسة بالنسبة إلى القوى السياسية الواقعة إلى يسار الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني PSOE، إذ كان الهدف من توحيد القوائم تقليل تشتت الأصوات وتعزيز فرص الحصول على تمثيل أكبر في مجلس النواب. لكن الخلافات المتعلقة بتوزيع المقاعد والتحالفات الإقليمية والاستراتيجية الانتخابية حالت دون التوصل إلى اتفاق على المستوى الوطني.
ما هو Frente Amplio؟ وما علاقته بـ Podemos؟
يمثل Frente Amplio تحالفًا يساريًا يضم قوى سياسية من بينها Izquierda Unida وMás Madrid وComuns وMovimiento Sumar، إلى جانب اتفاقات مع أحزاب وتشكيلات إقليمية مختلفة. ويهدف هذا المشروع إلى جمع عدد من مكونات اليسار في إطار انتخابي مشترك، مع التركيز على قضايا مثل السكن والخدمات العامة والأجور والمساواة والحقوق الاجتماعية.
أما Podemos فهو حزب يساري له تاريخه وقاعدته الانتخابية وقيادته الخاصة، وقد دخل في السنوات الأخيرة في خلافات متكررة مع قوى يسارية أخرى حول شكل التحالفات وتوزيع المواقع داخل القوائم الانتخابية.
ورغم التقارب بين الطرفين في عدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، فإن هذا التقارب لم يكن كافيًا لحل الخلافات السياسية والتنظيمية. وتُظهر المفاوضات الأخيرة أن الاتفاق على المبادئ العامة لا يعني بالضرورة الاتفاق على كيفية توزيع المقاعد أو تحديد الحلفاء في كل دائرة انتخابية.
كيف انتهت مفاوضات الوحدة الانتخابية؟
استمرت المفاوضات أكثر من عشرة أيام، وسط دعوات من شخصيات سياسية وأصوات داخل اليسار إلى التوصل إلى اتفاق يمنع دخول الانتخابات بقوائم متنافسة.
ومع اقتراب انتهاء المهلة القانونية لتسجيل الائتلافات الانتخابية، قدم Frente Amplio عرضًا مكتوبًا إلى Podemos يتضمن مجموعة من المقترحات الرامية إلى تجاوز الخلافات. لكن الطرفين لم يتمكنا من الاتفاق على صيغة نهائية.
وفي نهاية المطاف، اتضح أن المشروع الانتخابي الموحد على المستوى الوطني لن يتحقق، وأن معظم الدوائر ستشهد قوائم منفصلة للقوى المنتمية إلى هذا التيار السياسي. وكان الاستثناء الأبرز هو التوصل إلى ترتيبات مشتركة في جزر الكناري ومجتمع فالنسيا.
ما العرض الذي قدمه Frente Amplio إلى Podemos؟
في محاولة أخيرة لإنقاذ المفاوضات، قدم Frente Amplio عرضًا تضمن ستة محاور رئيسية:
أولًا: منح Podemos مواقع متقدمة في القوائم الانتخابية. اقترح التحالف منح الحزب مواقع ذات أولوية في مدريد وكاتالونيا، بما يسمح له بالمنافسة على مقاعد قابلة للفوز.
ثانيًا: مشاركة Podemos في القوائم المشتركة. تضمن العرض إدماج الحزب في الدوائر الانتخابية التي يخوض فيها Frente Amplio المنافسة، مع منحه حقوقًا داخل التحالف.
ثالثًا: احترام التحالفات الإقليمية. شمل المقترح التعاون مع تشكيلات محلية في مناطق مثل فالنسيا وأراغون وجزر البليار وجزر الكناري، بحسب الاتفاقات القائمة في كل منطقة.
رابعًا: تمثيل داخل المجموعة البرلمانية. عرض Frente Amplio منح Podemos إمكانية تعيين إحدى المتحدثات باسم المجموعة البرلمانية المستقبلية.
خامسًا: برنامج انتخابي مشترك. تركز المقترحات السياسية على الحق في السكن، وتعزيز الخدمات العامة، ورفع الأجور، والمساواة، وحقوق مجتمع الميم، والتحول في مجال الطاقة.
سادسًا: توزيع الموارد. تضمن العرض مبدأ التوزيع العادل لموارد الحملة الانتخابية بين الأحزاب المشاركة في التحالف.
ورغم أن العرض حاول الاستجابة لعدد من مطالب Podemos، فإن الخلاف لم يكن متعلقًا بالمقاعد وحدها؛ بل شمل أيضًا طبيعة الاتفاقات الإقليمية التي يمكن للحزب الاحتفاظ بها عند دخوله في تحالف وطني أوسع.
لماذا رفض Podemos العرض؟
تمحور الخلاف حول اختلاف الرؤية بشأن طريقة بناء التحالفات الانتخابية. فقد تمسك Podemos بفكرة التفاوض على أساس كل منطقة على حدة، بدل قبول اتفاق وطني يفرض صيغة واحدة على مختلف الدوائر.
كما اعتبر الحزب أن عرض Frente Amplio قد يتعارض مع الاتفاق الذي توصل إليه مع حزب Esquerra Republicana de Catalunya (ERC) في كاتالونيا. وكان هذا التحالف الإقليمي أحد العوامل المهمة في حسابات Podemos، ما جعل قبول العرض بصيغته المقترحة أمرًا معقدًا.
ومن جهة أخرى، اتهم Podemos قيادة Izquierda Unida بعرقلة بعض الاتفاقات الإقليمية في مناطق مختلفة، من بينها مورسيا وإكستريمادورا وكاستيا لا مانتشا وكانتابريا والأندلس. وهذه اتهامات صادرة عن الحزب في سياق الخلاف، وليست حقيقة مستقلة متفقًا عليها بين جميع الأطراف.
وبذلك، لم يكن فشل المفاوضات نتيجة خلاف واحد فقط، بل حصيلة تداخل عدة ملفات: توزيع المواقع، والعلاقات مع الأحزاب الإقليمية، وطريقة اتخاذ القرار، ومدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات من أجل تحالف وطني.
مدريد وكاتالونيا.. أبرز نقطتين للخلاف
مدريد: قائمتان بدل قائمة واحدة
تُعد مدريد من أبرز الأمثلة على الانقسام الانتخابي. فبدل الاتفاق على قائمة مشتركة، سيخوض Podemos الانتخابات بقائمة تقودها إيريني مونتيرو (Irene Montero)، بينما سيقود إيميليو ديلغادو (Emilio Delgado) قائمة Frente Amplio في المنطقة.
وكان التحالف قد عرض على Podemos موقعًا متقدمًا في قائمة مدريد، لكن العرض لم يؤدِّ إلى اتفاق نهائي.
ومن الناحية الانتخابية، يثير هذا الوضع سؤالًا مهمًا: هل يؤدي وجود قائمتين يساريتين إلى توسيع قاعدة الناخبين عبر تقديم خيارات مختلفة، أم يؤدي إلى توزيع الأصوات على قوائم متنافسة ويقلل فرص الحصول على مقاعد؟ لا يمكن حسم النتيجة مسبقًا، لأنها تعتمد على عدد الأصوات وتوزيعها والنتائج النهائية في الدائرة الانتخابية.
كاتالونيا: اتفاق Podemos مع ERC
في كاتالونيا، توصل Podemos إلى تفاهم مع Esquerra Republicana de Catalunya (ERC)، ينص على مشاركة ممثلين عن الحزب ضمن قائمة ERC بصفتهم مستقلين، بحسب التغطيات المنشورة.
وفي المقابل، سيخوض Frente Amplio الانتخابات بقائمته الخاصة في المنطقة، مع حضور Comuns وقيادة آدا كولاو (Ada Colau) لقائمة التحالف في برشلونة.
وهكذا، أصبح الخلاف في كاتالونيا مرتبطًا أيضًا بطبيعة التحالفات المحلية: هل يشارك Podemos ضمن قائمة ERC، أم ينضم إلى تحالف أوسع يضم قوى يسارية أخرى؟ وقد تعارضت الخيارات التي فضّلها الطرفان، ما ساهم في تعثر الاتفاق الشامل.
أين نجح اليسار في الاتفاق؟
على الرغم من فشل الاتفاق الوطني، لم تختفِ التحالفات المشتركة بالكامل. فقد تمكنت القوى المعنية من الحفاظ على ترتيبات انتخابية موحدة في منطقتين بارزتين.
في جزر الكناري، تشكلت قائمة مشتركة تضم Podemos وIzquierda Unida وMovimiento Sumar وقوى إقليمية أخرى، ضمن صيغة تحالف محلي.
وفي مجتمع فالنسيا، تم التوصل إلى اتفاق انتخابي تحت قيادة Compromís، بمشاركة Podem وEsquerra Unida del País Valencià وقوى أخرى.
لكن الصورة تختلف من منطقة إلى أخرى؛ ففي أراغون وجزر البليار ومناطق أخرى، ظهرت تحالفات يسارية لا تضم Podemos، فيما تستمر بعض الأحزاب الإقليمية في اتباع استراتيجيات انتخابية خاصة بها.
وهذا يعني أن المشهد الانتخابي لا يقوم على انقسام موحد في جميع المناطق، بل على مجموعة من التفاهمات المحلية التي تختلف بحسب موازين القوى والعلاقات السياسية في كل إقليم.
هل اتفق PSOE واليسار على التعاون في مجلس الشيوخ؟
من المهم التمييز بين انتخابات مجلس النواب Congreso de los Diputados وانتخابات مجلس الشيوخ Senado.
فبينما تعثر الاتفاق بين Frente Amplio وPodemos لتقديم قوائم موحدة لمجلس النواب في معظم المناطق، ظهرت ترتيبات مشتركة بين الحزب الاشتراكي PSOE وقوى يسارية أخرى في عدد كبير من الدوائر الخاصة بمجلس الشيوخ.
وتشير التغطيات إلى أن هذه التفاهمات تهدف إلى زيادة فرص القوى المشاركة في الحصول على تمثيل في الغرفة العليا للبرلمان، ومنافسة الحزب الشعبي PP على الأغلبية فيها.
لكن نجاح التعاون في مجلس الشيوخ لا يعني أن الخلافات بين Podemos وFrente Amplio قد حُلّت؛ فلكل مجلس انتخاباته وقوائمه وحساباته السياسية الخاصة.
ما تأثير هذا الانقسام على الانتخابات العامة في 29 نوفمبر 2026؟
لا يمكن الجزم بأن فشل الوحدة سيؤدي حتمًا إلى خسارة مقاعد، لكنه يفتح الباب أمام عدة احتمالات.
أولًا، قد يؤدي تعدد القوائم إلى توزيع أصوات الناخبين الذين يفضلون أحزاب اليسار الواقعة إلى يسار PSOE، خصوصًا في الدوائر التي تكون فيها المنافسة على المقاعد شديدة.
ثانيًا، يمكن أن يرى بعض الناخبين أن وجود قوائم منفصلة يتيح لهم الاختيار بين مشاريع سياسية مختلفة بدل التصويت لقائمة واحدة تضم أحزابًا لا يتفقون معها في جميع القضايا.
ثالثًا، قد يؤثر الخلاف العلني على صورة هذه الأحزاب لدى الناخبين، خاصة إذا انصبّ النقاش الإعلامي على تبادل الاتهامات بدل التركيز على السكن وتكاليف المعيشة والأجور والخدمات العامة.
وأخيرًا، فإن النتيجة الفعلية ستعتمد على أداء كل قائمة خلال الحملة، وعلى نسبة المشاركة، وعلى عدد الأصوات التي تحصل عليها في كل دائرة. لذلك، فإن الحديث عن خسائر مؤكدة أو مقاعد ضائعة قبل التصويت يبقى استنتاجًا سابقًا لأوانه.
ماذا يعني ذلك للمهاجرين المقيمين في إسبانيا؟
بالنسبة إلى المهاجرين الذين يتابعون السياسة الإسبانية، فإن أهمية هذا الخلاف لا تقتصر على أسماء الأحزاب أو قادتها، بل تمتد إلى البرامج التي ستطرحها القوائم المتنافسة.
ومن الملفات التي تستحق المتابعة خلال الحملة الانتخابية:
- السكن والإيجار: ما الإجراءات التي تقترحها الأحزاب لمعالجة ارتفاع الإيجارات وتوفير السكن الميسر؟
- العمل والأجور: ما خططها لتحسين ظروف العمل، ومكافحة الاستغلال، ودعم أصحاب الدخل المحدود؟
- الخدمات العامة: كيف ستتعامل مع الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية؟
- الهجرة والإقامة: ما المواقف التي تعلنها بشأن سياسات الهجرة، وتسوية الأوضاع، والاندماج؟
- المساعدات الاجتماعية: ما المقترحات المتعلقة بدعم الأسر محدودة الدخل والفئات الأكثر هشاشة؟
هذه القضايا لا ينبغي تقييمها اعتمادًا على الانتماء الحزبي وحده، بل من خلال قراءة البرامج الانتخابية ومقارنة الوعود بالإجراءات التي سبق أن دافعت عنها الأحزاب أو شاركت في تنفيذها.
كما أن وجود خلاف بين الأحزاب لا يعني بالضرورة أن برامجها متطابقة أو مختلفة في جميع الملفات؛ فقد تتفق على بعض الإجراءات الاجتماعية، وتختلف في قضايا أخرى أو في طريقة تطبيقها.
هل ما زالت الوحدة ممكنة؟
بعد انتهاء مهلة تسجيل الائتلافات، أصبح من الصعب إعادة بناء الاتفاق الوطني نفسه لهذه الانتخابات، لكن ذلك لا يمنع استمرار التعاون في قضايا محددة أو تنسيق المواقف البرلمانية مستقبلًا.
وقد انتقل Frente Amplio إلى محاولة تجاوز الخلاف والتركيز على تعبئة الناخبين، مع إبراز قضايا السكن والخدمات العامة والحقوق الاجتماعية. في المقابل، حافظ Podemos على استراتيجيته التي تعطي أولوية للتفاهمات الإقليمية والتحالفات التي يعتبرها مناسبة لمصالحه الانتخابية.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الخيارات ستساعد كل طرف على توسيع قاعدته الانتخابية، أم أن غياب التنسيق الوطني سيجعل المنافسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى اليسار خارج PSOE.
والإجابة لن تظهر من التصريحات وحدها، بل من نتائج صناديق الاقتراع في 29 نوفمبر 2026.
خلاصة
يشكل فشل المفاوضات بين Frente Amplio وPodemos محطة مهمة في استعداد اليسار الإسباني للانتخابات العامة المقبلة. فعلى الرغم من المحاولات الأخيرة لتوحيد القوائم، لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق شامل، واستمر الانقسام في معظم المناطق، مع بقاء استثناءات بارزة في جزر الكناري ومجتمع فالنسيا.
وتوضح هذه الأزمة أن التقارب في بعض القضايا الاجتماعية لا يكفي وحده لبناء تحالف انتخابي؛ إذ تتداخل معه المصالح التنظيمية، وتوزيع المواقع، والتحالفات الإقليمية، وطريقة اتخاذ القرارات.
أما بالنسبة إلى الناخبين، بمن فيهم المهاجرون المقيمون في إسبانيا، فالأهم خلال الفترة المقبلة هو متابعة البرامج والوعود المتعلقة بالحياة اليومية، وعدم الاكتفاء بالخلافات بين القيادات السياسية. فالنتيجة النهائية ستحددها أصوات الناخبين في الانتخابات، لا التصريحات المتبادلة قبلها.



